top of page
  • صورة الكاتبنواف بن مبارك آل ثاني

هل سقف الدَّيْن الأمريكي مهم؟

كي نفهم سقف الدين يجب أن نفهم أنها أداة سياسية وليست اقتصادية

لا توجد إجابة بسيطة، فقد تكون الإجابة بنعم أو بـ لا، بحسب موقفك من مبدأ وجود سقف للدَّيْن الأمريكي، ولكن كيف نستطيع أن نقولَ إن سقف الدين الأمريكي ليس بذلك الأهمية بعد الجدل الإعلامي الواسع في الأسابيع الماضية، ومع علمنا بمدى تأثير ذلك الدين، ليس على الاقتصاد الأمريكي فحسب بل اقتصادات دول كثيرة كما في سياسات مالية ونقدية أخرى تُلامس حياتنا اليومية مثل نسب الفائدة، هل يُمكننا تجاهل هذا السؤال؟

لقد ظل ما يُعرف بسقف الدين الأمريكي بمثابة ذلك «البعبع» المُخيف منذ أن تم إقراره من قِبل الكونغرس الأمريكي جراء الحرب العالمية الأولى، فهذا الحد الائتماني هو حد أو سقف ذاتي الصنع ليس مبنيًا على مبادئ اقتصادية واضحة الملامح، وقد وجد أساسًا للتحكم في – والحد من – الإنفاق الحكومي، ولقد تم تغيير سقف الدين ما يُقارب ٨٠ مرة خلال العقود القليلة الماضية، وفي كل تلك المرات التي يتم فيها إما رفع أو تجميد أو تحريك ذلك السقف يُهدد فيها الاقتصاد الأمريكي والعالمي بالانهيار في حال عدم رفع ذلك السقف.


إلا أن النتيجة المرجوة من تلك السياسات لم تتحقق ولم يكبح جماح الإنفاق الحكومي على مدى القرن الماضي، فإن سقف الدين لا يتحكم فعليًا في الإنفاق الحكومي، فالكونغرس قد حدد الإنفاق بالفعل عندما أقر الميزانية، وهنا نجد أن ارتباط سقف الدين بالإنفاق الحكومي لا وجود له فعليًا.

فمن هنا بدأ بعض الخبراء الاقتصاديين السؤال وبجدية: هل يجب إلغاء سقف الدين؟


منبه ساعة أم قنبلة موقوتة؟

لسقف الدين دور بلا شك، فهو يعمل كمُنبّه الساعة من حين إلى آخر كي يستيقظَ الكونغرس الأمريكي من سباته ليُناقش «وبجدية» الدين الأمريكي والإنفاق الحكومي، ولكن كأي مُنبّه فلا فائدة منه ما لم يكن هناك رد فعل حياله، فإسكات المنبه لكي يكملَ المشرع نومه العميق لن يأتي بأي نتيجة سوى أن يرن المُنبه مرة أخرى بعد زمن مرارًا وتَكرارًا. نعم، فإلغاء سقف الدين سيمنح الحكومة الأمريكية مزيدًا من المرونة ويُتيح لها الاستجابة للظروف الاقتصادية وإجراء الاستثمارات الضرورية دون الحاجة لـ «سيف ديموقليس» المُعلق فوق رؤوسهم، لكن بالمُقابل فإن إلغاء السقف سيزيل أيضًا تلك الضرورة الدورية المُلحة للاستيقاظ لذلك «المنبه» لمُناقشة الدين الأمريكي، وهنا قد لا يكون الحل برمي المُنبه خارج النافذة أي إلغاء السقف، أو النظر إلى السقف بنظرة مأساوية كقنبلة موقوتة، بل قد تحتاج الحكومة الأمريكية إلى معرفة طريقة أفضل للتعامل مع سقف الدين والإنفاق.


بطاقة ائتمان الحكومة الأمريكية

لفهم سقف الدين بشكل آخر، قد ننظر إلى كيفية إدارة الولايات المُتحدة دينها كونها أشبه بامتلاك بطاقة ائتمان ذات حد عالٍ جدًا. فحينها تُصدر الولايات المُتحدة سندات الخزانة والأذونات والفواتير بأنواعها التي يشتريها المُستثمرون في جميع أنحاء العالم لأنهم يثقون – كما أثبت التاريخ في الماضي – بأن الولايات المُتحدة ستُعيدها لهم وبأرباح، ناهيك عن الأسواق الثانوية، وهذا يُتيح للولايات المُتحدة الاستمرار في الاقتراض بأسعار ونسب مُنخفضة لسنوات دون الالتفات بجدية للدين، ففي نظر المُستثمرين والاقتصاديين معًا فإن إصدار السندات يختلف عن طباعة النقود! ولكن هنا يقع مربط الفرس: حيث تستطيع الولايات المُتحدة بهذه السياسة أن تستمر في تدوير دينها بشكل شبه لا نهائي، طالما يستمر المُستثمرون في شراء السندات الحكومية.

ولكن إذا توقف المُستثمر عن شراء تلك السندات والتأمينات، ثم ماذا ؟ هنا قد ترتفع أسعار الفائدة للحكومة، ما يجعل الدين الأمريكي أكثر تكلفة للسداد. نعم إنها عملية توازن حساسة، فحين لا يرى المُراقبون أن الثقة في الحكومة الأمريكية وقدرتها المالية قد تتزعزع في المُستقبل القريب، ومع الاستمرار «المُتوقع» لقوة سوق السندات إلا أن عملية التوازن تلك تضع الولايات المُتحدة في وضع غير مثالي في حال حدث «غير المُتوقع».


إلغاء أم إصلاح ؟

مع مُطالبة بعض الاقتصاديين والساسة مثل وزيرة الخزانة الأمريكية الحالية «جانيت يلين» بإلغاء سقف الدين لكونه بلا فائدة فعلية – من وجهة نظرها – بل وإن ضرر وجود السقف أكثر من أي فائدة قد تنتج عنه، يرى آخرون بأنه ومع فشل النموذج الحالي لسقف الدين ربما قد يكون الحل ليس في إلغائه ولكن ربما في إصلاحه، إلا أنه من الواضح أن الجميع مُتفق على أن موقف «الوضع الراهن» لا يمكن أن يستمر. ولكن كيف يمكن إيجاد الحل الإصلاحي الوسطي ؟ قد نجد الجواب في أحد الحلين الممكنين، الأول: يمكن للكونغرس إقرار ربط سقف الدين بحجم الاقتصاد الأمريكي، ما يُتيح للسقف أن ينمو أو ينكمش مع الاقتصاد كما ينمو الناتج المحلي الإجمالي أو التضخم، دون التدخل التشريعي لرفعه أو خفضه، وهذا قد يُساعد على تجنب المواجهات السياسية وتهديد الإغلاقات أو التخلف عن السداد وجرّ اقتصاد دول كثيرة إلى حافة الهاوية. أو يمكن – في الحل الثاني – إقرار نسب الزيادة في سقف الدين بشكل تلقائي عند تحقق شروط معينة، فمثلًا ربط سقف الدين بإقرار الكونغرس للميزانية الجديدة في كل عام، الشيء الذي سيُساعد على تجنب لعبة «الديك والدجاجة» بين الرئاسة الأمريكية والكونغرس والتي نراها غالبًا حول موعد رفع سقف الدين.


الرأي الأخير ...

كي نفهمَ سقف الدين، يجب أن نفهمَ أنها أداة سياسية وليست اقتصادية، ويجب علينا أن نفهمَ أيضًا أن دولنا ليست بمعزل عن مثل هذه الأمواج السياسية العابرة للقارات، خاصة مع اقتراب موسم الانتخابات الأمريكية، ولكن يبقى السؤال مع كل ما ذُكر، هل سقف الدين الأمريكي مُهم؟ بالنسبة للحكومة الأمريكية، فوجود هذا السؤال كما هذا المقال، وكل هذا النقاش، في حد ذاته قد أصاب الهدف من وجود سقف الدين الأمريكي.

( ذاكرة الدائن أقوى من ذاكرة المدين)

إلى اللقاء في رأي آخر...


٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل

Comentários


bottom of page