العالم ينتظر الضربة
- نواف بن مبارك آل ثاني

- قبل يومين
- 2 دقيقة قراءة
حين تتغير الحروب بلا صوت

هناك كلمة واحدة تتردد اليوم في أحاديث الناس، وفي همس العواصم، وفي توقعات المحللين: "الضربة". كأنها موعدٌ مؤجل، أو صفحة قادمة من كتاب كُتب مسبقًا. وقد يكون ذلك صحيحًا أكثر مما نحب الاعتراف به. نعم، قد تبدو “الضربة” ضد إيران في نظر كثيرين أمرًا يكاد يكون حتميًا. لكن السؤال الأكثر إلحاحًا ليس: هل ستقع؟ بل: ما الذي نعنيه أصلًا بكلمة "ضربة" في زمن كهذا؟
الخيال العام ما زال أسير صورة قديمة للحرب: صواريخ، طائرات، انفجارات، وركام يُشاهَد من الأقمار الصناعية. حرب لها صوت، ودخان، ومشهد يصلح لنشرات الأخبار. لكن الواقع، بصراحة، تجاوز هذه اللوحة. الخط الفاصل بين "الحركي" و"غير الحركي" لم يعد خطًا، بل مساحة رمادية واسعة تتقدم بسرعة مقلقة.
خذ مثلًا الفعل السيبراني. ضغطة واحدة قد تعطل منظومات، وتربك قيادة، وتُوقف إيقاع دولة كاملة، من دون طلقة واحدة. ثم الفضاء؛ لم يعد مجرد منصة مراقبة، بل جزء من معادلة الصراع: اتصالات، ملاحة، بيانات، وقدرة على الرؤية والإنكار في آن واحد. ثم ما هو أخطر من ذلك كله: الحرب النفسية الحديثة، التي لا تحتاج منشورًا ورقيًا ولا إذاعة عسكرية، بل تعمل عبر ضجيج الشبكات وتآكل الثقة وإجهاد الوعي العام حتى يصبح المجتمع نفسه ساحة قتال.
وهنا تأتي كلمة كثيرون يذكرونها ولا يحددون معناها: "الطاقة". لا أقصد الطاقة بوصفها سوقًا ونفطًا وخطوط إمداد. أقصد الطاقة بوصفها سلاحًا. أسلحة موجهة بلا مقذوف، تُحدث تأثيرات حرارية وحسية وبدنية، وقد تترك الضحية تحت أثرٍ طبي واضح بينما يظل المشهد السياسي بلا دليلٍ بصري يحسم السؤال: من فعل ذلك؟ وكيف؟
وقد يقول قائل إن هذا توصيف نظري. حسنًا، لنتحدث بواقعية. حين تُمنح "الشرعية" لفعلٍ ما، تتسارع أدواته أسرع من أي عقيدة عسكرية وأسرع من أي نقاش عام. القرار السياسي يفتح الباب، ثم تأتي المختبرات، ثم تأتي التطبيقات، ثم يأتي التبرير بعد وقوع الأمر. هكذا تتحرك الحروب الحديثة: لا ببيان افتتاحي، بل بتطورات متلاحقة تُفرض كحقائق.
الرأي الاخير …
ربما سنعود بعد سنوات لنكتشف أن أكثر "الضربات" تأثيرًا لم تكن تلك التي سمعناها، بل تلك التي لم نسمعها أصلًا. وأن هذا العقد لم يُنجب حربًا جديدة فحسب، بل أعاد تعريف الحرب نفسها: حرب دقيقة، غامضة، قليلة الضجيج… وعميقة الأثر.
”في زمنٍ لا تُسمَع فيه الطلقات، يصبح الصمتُ أحيانًا أعلى أصوات الحرب“
إلى اللقاء في رأي آخر ،،،










تعليقات