top of page
  • صورة الكاتبنواف بن مبارك آل ثاني

التنين والعقاب

مع انغماس روسيا في الحرب الأوكرانية فإن التحدي الأبرز اليوم هو من الصين.

عندَما قامتِ الولاياتُ المتحدةُ منذُ عدَّةِ سنواتٍ بإعادةِ رسمِ الخريطة الاستراتيجيَّة للتهديدات المُحتملة لأمنِها الوطنيّ أوجدت وضعًا جديدًا لهذا التوجُّه، وذلك بالابتعاد تدريجيًا عن استراتيجيَّة مُكافحة الإرهاب إلى ما سمَّتها باستراتيجية «منافسة القوى العُظمى»، والتي حدَّدت من خلالها الصين وروسيا كقوى عظمى، ويجب ألا تكون لهما اليد الطّولى في بسط السياسات والقدرات التنافسيَّة في العالم، وقد يرى البعض أن هذه السياسة في حد ذاتها كانت بمثابة تحدٍّ يستدرج الصراع مع تلك الدول.

ومع انغماسِ روسيا في الحرب الأوكرانية نجد أن التحدي الأبرز اليوم هو من الصين، فمن اتساع نطاق «مُبادرة الحزام والطريق» إلى الدور الاستراتيجي الذي تلعبه الصين اليوم في الشرق الأوسط وروسيا وإفريقيا وحتى أمريكا اللاتينية، إلى المحاولة الحالية لاستبدال «اليورو دولار» باليُوان الصيني في أسواق الطاقة العالمية، نجد أن توسع نطاق التأثير الصيني في ازدياد وبوتيرة مُتسارعة.


يبدو هنا أيضًا أنَّ القوةَ الدافعةَ الرئيسية خلف خطط الصين لتوسيع نطاق نفوذها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هي الشعور العميق بالوهن، نعم.. الوهن الاستراتيجي، فعندما نعلم أن ٤٠% من الطاقة الهيدروكربونية المُحركة للاقتصاد الصيني تأتي من منطقة الخليج العربي، نستطيع حينها أن نتخيل أن التنين الصيني قد يشعر بالضعف مقابل هيمنة العقاب الأمريكي في منطقة الخليج.

علاوةً على ذلك فإن الانتقادَ المُتكرر من المراقبين حول «مبادرة الحزام والطريق» والتي تقول الصين إنها مُبادرة للانفتاح التجاري، -بأنها في الحقيقة «مصيدة الديون»- هو بمثابة عائق استراتيجي للصين في منطقة ثريَّة كالخليج.

وقد نجد أن عناصر فتيل أزمة مُحتملة قد بدأت بالاكتمال، حيث ترى الصين اليوم إمكانية حقيقية في تغيير نهجها السابق بالابتعاد عن التوسع السياسي والعسكري والاكتفاء بالمُنافسة الاقتصادية، وإن ذلك أكثر احتمالًا من أي وقت مضى، فباستثناء الأنشطة الدفاعية المحدودة في الخليج والبحر الأحمر في الماضي، لم نرَ توسعًا سياسيًا أو عسكريًا مُنافسًا في المنطقة، وبينما لا أعتقد بأن الجيش الصيني سيكون الأداة الأساسية التي تختارها الصين لتأمين مصلحتها في المنطقة أو الحل محل الولايات المتحدة الأمريكية كقوة مُهيمنة، إلا أنها قد تكتفي بالتحييد عوضًا عن الاستبدال، فما شاهدناه مؤخرًا من دور صيني في التقارب بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية قد يكون أحد مؤشرات ذلك التغيير.فقد تنظر الصين اليوم إلى نفسها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كما كانت الولايات المُتحدة في سنوات ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، كأمة يجب أن تتأقلم مع بُعدها الجغرافي ووجود مُنافس لها في المنطقة، فهل تنجح الصين بأخذ موقع الولايات المُتحدة في الشرق الأوسط كما فعلت حينها أمريكا مع المملكة المتحدة؟.. لا يمكننا الجزم بذلك، ولكن مما لا شك فيه هو أن دول الشرق الأوسط تتحرك اليوم بحذر شديد.. كي لا تقع بين أنياب التنين ومخالب العقاب.

(التغلب على الصعوبات هو كسب للفرص).

إلى اللقاء في رأي آخر..


٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل

Kommentarer


bottom of page