top of page
Zubara_Fort-2_edited_edited_edited.png

كماشة المستقبل

  • صورة الكاتب: نواف بن مبارك آل ثاني
    نواف بن مبارك آل ثاني
  • 24 ديسمبر 2025
  • 2 دقيقة قراءة

من الراتب إلى المعنى

قيل لنا، لسنواتٍ، إن الذكاء الاصطناعي سيبدأ من الأعلى. سيطرق باب الياقات البيضاء أولًا: المحاسب الذي يوازن الأرقام، المُحامي الذي يزن الكلمات، الصحفي الذي يلاحق الخبر. ثم جاء الصوت المطمئن، ذلك الصوت الذي يحب أن يبدو عاقلًا: لا داعي للهلع. ما زالت هناك أعمال «حقيقية» في الخارج. الياقات الزرقاء. اليد التي تبني وتلحم وتحمل وتصلح. كأن العالم آلة قديمة نعرف أزرارها، وكأن الورشة ستبقى دائمًا ملاذًا حين يضيق المكتب.

لكن هذا الاطمئنان ليس أكثر من قصة مُريحة. والقصص المريحة غالبًا ما تُقال عندما لا يريد أحد مواجهة الحقيقة.

لأن الروبوتات لم تعد ذراعًا معدنية داخل مصنع محاط بسياج. الروبوت اليوم يرى. يسمع. يقيس. يتعلم. يقرّر. وفي المخازن تتحرّك عربات ذاتية بلا سائق، وفي خطوط الإنتاج تلحم الآلات بلا ارتعاش، وفي الموانئ تُرفع الحاويات كما لو كانت شيئًا تافهًا. ومع كل قفزة في الذكاء الاصطناعي تقفز الروبوتات أيضًا: رؤية أدق، توازن أذكى، قدرة على التكيّف مع الفوضى التي كانت حِكرًا على الإنسان. النتيجة واضحة لمن يريد أن يراها: ضغط من طرفين في وقت واحد. عقل المكتب يُستبدل بخوارزميات، وعضلات الورشة تُستبدل بحديد يتحرّك بوعي اصطناعي.

والآن أسأل السؤال الذي يتهرّب منه الجميع: ماذا بعد؟

إذا صار الروبوت لحامًا لا يخطئ ولا يتعب ولا يطالب بزيادة، وصار النظام محاسبًا لا ينسى ولا يمرض ولا ينام، فأين يذهب ملايين الناس الذين بُنيت حياتهم على فكرة بسيطة: العمل ليس مجرد راتب، بل معنى. مكان في العالم. هُوية. احترام. روتين يضبط الفوضى. عندما تُسحب هذه الأشياء من تحت أقدام الناس، لا تعوضها محاضرة عن «مرونة السوق».

يقولون لك: أعد التدريب. حسنًا، على ماذا؟ وبأي سرعة؟ ومن يضمن أن المهارة الجديدة لن تصبح هي الأخرى قابلة للأتمتة بعد عامين؟ هذه ليست مشكلة فرد لا «يطوّر نفسه». هذا خلل بنيوي في نموذج اقتصادي يفترض أن الإنسان مجرّد وظيفة يمكن استبدالها، ثم يتفاجأ عندما يتصرف الناس كأنهم فائض بشري.

لاحظوا كذلك من يردد التعويذة المألوفة: سياسيون يريدون تهدئة الشارع، وخبراء يكررون أن التكنولوجيا «دائمًا» تخلق وظائف جديدة. ربما. لكن هذه المرة تُخلق وظائف أقل عددًا وأكثر تركيزًا، تحتاج «رأسَ مال معرفيًا وحوسبيًا»، لا يملكه العامل العادي. وفي الوقت نفسه، تُسعّر الشركات الأتمتة على أنها «ابتكار»، ثم تطلب من المجتمع أن يتحمل الفاتورة: بطالة، قلق، انهيار مدن صغيرة بُنيت حول مصنع أو مهنة. إذا كانت الأتمتة قرارًا تِجاريًا، فآثارها ليست قدرًا. هي قرار سياسي وأخلاقي أيضًا.

والأخطر أن الوعد يُقدَّم بلغة إنسانية: سنحرّر البشر من الأعمال الشاقة. جميل. لكن التحرير بلا بديل يعني الإقصاء. لا يمكن لمجتمعٍ أن يُبنى على فائض بشر، ثم يُطلب منه أن يصفق للتقدّم.

الرأي الأخير:

السؤال الحقيقي ليس هل ستنجح هذه التقنيات. ستنجح. السؤال لمن ستكون الإنتاجية. هل ستتحول إلى أرباح مركزة في قمة ضيقة، بينما تُترك القاعدة لتتنافس على وظائف خدمة هشّة وساعات مُجزأة؟ أم سنعيد كتابة القواعد: ضرائب عادلة على مكاسب الأتمتة، تعليم مستمر مموّل بجدية، حماية اجتماعية قابلة للنقل، ومنافسة تمنع احتكار من يملك البيانات والحوسبة؟

لأن المسألة في جوهرها واحدة: إذا كانت الآلة ستعمل، فكيف نضمن أن الإنسان لن يُستغنى عنه كإنسان؟

«التقدّم الذي لا يترك للإنسان مكانًا، ليس تقدّمًا بل استبدالًا»

إلى اللقاء في رأي آخر،،،


تعليقات


  • RSS
  • X
  • Instagram
  • Youtube

 - مجرد رأي | من منظور إستراتيجي -

pod144r21.tif

جميع الآراء هنا تمثل آراء الكتّاب الشخصية فقط.

mrkjhrgfy5.png

© 2026 Nawaf bin Mubarak Al-Thani, All rights reserved.

bottom of page